مرّة أخرى تحرمني مشاغل الحياة اليوميّة والمهنيّة من متعة مشاركتكم بعض الأفكار والخواطر على المدوّنة. ما نخبّيش عليكم عندي يمكن خمسين موضوع حبّيت نكتب فيه الفترة اللي فاتت ولكن أولويّات أخرى فرضت نفسها. على كلّ حال هاذيكا هي الحياة والواحد ما ينجّمش يعمل كلّ شيئ يحبّ عليه، وإذا كان يحبّها سبّاقة وجرّاية لازمو يحضّرلها الشعير، سواء في شكلو الصلب أو السائل.
الغياب المرّة هاذي خلاّني نفلّت فرصة الإدلاء بدلوي (وهو شيئ هام برشة بالنسبة لمواليد برج الدلو إلّي كيفي) في موضوع العلمانيّة إلّي خاضت فيه العديد من المدوّنات التونسيّة نقاش تحوّل إلى جدال وكاد ينتهي بالقتال ما بين جماعة حزب الديك وجماعة حزب الله. وأنا شخصيّا رغم أنّو معروف عنّي أنّي أقرب إلى حزب الديك من جماعة "الدينوليتيك" (وهي كلمة جديدة مازلت كيف اخترعتها من مزج كلمة "الدين" بكلمة "البوليتيك")، إلاّ أنّي قلت "جات بالصّلاح"، على خاطر الحكاية في المواضيع هاذي فيسع ما تولّي تبادل تهم والناس تسيّب الموضوع وتولّي تعسّ على بعضها، في هذا كافر والآخر اخوانجي وهلمّ جرّا من هاك الحوارات العقيمة.
كنت جبدت في تدوينة سابقة على العلمانيّة وأيّدت من وجهة نظر فكريّة بحتة مبادرة الجمعيّة التونسيّة للدفاع عن اللائكيّة، إلّي على حدّ علمي مازالت في إنتظار الترخيص، وهذا في حدّ ذاتو أمر مؤسف سواء توافقنا مع الناس إلّي أسّسوها أو تخالفنا معهم أو مع أفكارهم.
طرح طارق الكحلاوي سؤال في مكانو وفي وقتو عندما تساءل : هل أنّ وقتنا اليوم مناسب أو ملائم للمطالبة بالعلمانيّة؟ وهل من الممكن لهذا المطلب النخبوي أن يتماشى مع وضعنا اليوم في الداخل والخارج؟ وجوابي شخصيّا هو بالتأكيد "نعم"، الوقت الحالي أكثر من هذا يفرض على النخبة، سواء كانت نخبة كافرة أو زبراطة أو عايشة في برجها العاجي، أنّها تذكّر بمفاهيم كيما العلمانيّة، موش على خاطر الشعوب باش تتجاوب معها وتخرج في مظاهرات عارمة ترفع شعار العلمانية... لا، هذا ما نتصوّرش حتّى بن لادن متاع العلمانيّة يحلم بيه. ولكن التذكير بالعلمانيّة توّة مهمّ على خاطر من الضفّة الأخرى الأصوات متاع الأصوليّة الدينيّة قاعدة تتعالى وتقوى، وأولاد الحي إلّي كانو يبيعوا في الزطلة ولاّو شادّين الجامع ولحيّهم تقول إلّي هذا لابسلي بركوس على وجهو، وبالطبيعة الناس إلّي تعوّدت على طبائع الخرفان عبر عقود مضت باش اتّبع بعضها في كلّ شيء، والثقافة ما يخفاش عليكم على قدّها، والوعي السياسي يرحم عمّي، والإقتصاد داخل في حيط، والتعليم يبقبق، والبطالة نهارك طيّب، وما نزيدش نحمّملكم قلوبكم أكثر من هكّة...
يحبّ يقول إلّي الوضع الحالي بما يميّزو من غموض على مستوى المستقبل البعيد والمتوسّط (وأغلب الظنّ بالنسبة لي هو أنّو المستقبل المتوسّط باش يكون فعلا متوسّط بالمعنى "الكحلاوي" للكلمة)، قلت عاد المستقبل الغامض هذا ينجّم يجيب معاه كمّ من المفاجئات غير السارّة تحت عنوان ما يسمّيه البعض بالصّحوة الدينيّة والبعض الآخر بتسريب الرمال، وهالظروف هاذي هي إلّي تحتّم تدخّل للنخبة الزبراطة الفطّارة الزنديقة حطب جهنّم للتذكير بأهميّة تمييز ماهو ديني على ماهو سياسي، على خاطر جماعة السياسة كيف يشمّوها قريب تولّي قارصة أسهل حاجة يقولوهالك هي "الله غالب، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.." وهات من هاك اللاّوي. بلغة أخرى السياسي ينجّم يتّكّى على الدين باش يطلع وزادة باش يقعد الفوق، وحتى شيء ما يضمن أنّك من بعد ما تلقاش نفسك شادد ثنيّة أخرى صعيب الرجوع منها.
بغضّ النظر عن الأسئلة هاذي وغيرها أسئلة عديدة تم طرحها والإجابة عليها من طرف المدوّنين، كلّ بطريقته، حبّيت نقدّم وجهة نظري المتواضعة في الموضوع، بما أنّو يتعذّر عليّ المشاركة في الحوار المباشر على "الراديون" مع بقيّة الوخيّان، ونقول علاش حسب رأيي حكاية مزج الدين بالسياسة هي كيفها كيف مزج الزيت بالماء، ما تجيش جملة.
وجهة النظر هاذي باش نحاول نكون فيها أقرب ما يمكن من الواقعيّة وأبعد ما يكون عن الإيديولوجيّة والنظريّة، وأوّل حاجة باش نعملها هنا هي أنّي ماعادش باش نحكي لا على علمانيّة ولا على لائكيّة، ولا على ثيوقراطيّة أو دولة دينيّة. خلّينا نحكيو بكلّ واقعيّة على "علاقة الدين بالدولة"، سواء العلاقة الموجودة حاليّا أو العلاقة الممكنة، وبالطبيعة باش نحكي على تونس على خاطر هي اللي تهمّنا بالأساس.
بالطبيعة أوّل حاجة لازم نبداو بيها هي الوضع الحالي لعلاقة الدين بالدولة في تونس: في هذا الإطار يمكن الواحد يتساءل، هل نحن في دول علمانية أم مسلمة أم إسلاميّة أم مستسلمة أم علمانيّة عاملة روحها مسلمة أم إسلاميّة عاملة روحها علمانيّة أم دولة لا دين ولا ملّة ولا حتى علمانيّة أو لائكيّة، يعني دولة درا كيفاش تتلوّن واللي يحبّ يراها حتى بوذيّة وإلاّ صهيونيّة يلقى فيها كلّ المؤيّدات الواقعيّة والعقلانيّة باش يدافع على موقفو.
بعض الأصوات العلمانيّة طالبت في الإطار هذا بتوضيح الأمور والبدء بإلغاء الفصل الأول من الدستور إلّي فيه تنصيص على أنّ تونس دولة دينها الإسلام، وحاول البعض من الضفّة الأخرى الإستدلال بنفس الفصل باش يدعم فكرة أنّها دولتنا ماهيش علمانيّة بل مسلمة، و"مسلمة" كيما تعرفوا ماهيش "إسلاميّة"، وحوّس تفهم... ولكن بالتفكير شويّة حول المسألة هاذي متاع الفصل الأوّل من الدستور يتبيّن أنّو التنصيص هذا ما عندوش أهميّة كبيرة من حيث الواقع، على خاطر كلمة دولة عندها دين هو الإسلام ما تعني في الواقع حتى شيء ولا يمكن ترتيب نتائج قانونيّة أو دستوريّة تذكر عنها، وكنت في التدوينة السابقة المشار لها أعلاه بيّنت أنّها من باب الكلام الفارغ والحشو اللي عندو قيمة رمزيّة وريق متاع سياسة باش الشعب الكريم يفرح بدستورو الجديد وبرّة. وعلى فكرة كان جينا نقدّسوا الدستور بالدرجة إلّي نقدّسوا بيها هالديباجة والحشو الدستوري الفارغ راهو ما تعدّلش مرّة كلّ أربعة أو خمسة سنين تعديلات جوهريّة مرّت على الجميع مرور الكرام، ولكن لا علينا..
في بقيّة الطرح هذا باش نحاول نبيّن عدد من الصعوبات العمليّة إلّي تطرحها مسألة "دين الدولة" أو "الدولة المتديّنة" واللي تخلّيني ندعم فكرة فصل الدين عن الدولة أو بالأحرى حماية الدولة من التديّن وحماية الدين من التسيّس.
والصعوبات هاذي تبدأ من منظور الدولة نفسها، يعني أنها الدولة في حدّ ذاتها تضع نفسها في مأزق لا مخرج لها منه إذا كان أقرّت بأنّها "متديّنة" بشكل من الأشكال، على خاطر التديّن يفرض عليك أنّك تلتزم بجملة من التعاليم إلّي هي تعاليم الدين، يعني ماهوش معقول أنّك تقوللي أنّك دولة دينك الإسلام وإنتي تبيع في الشراب وتنضّم في القمار أو "البروموسبور" وتعطي في التراخيص للمومسات متاع الكارطي، وأنا لهنا مانيش ضدّ الأشياء هاذي ("بالطبيعة" باش يقولوا هاك إلّي في قلوبهم مرض هههه) ولكن باش نبيّن فقط أنّو على قدّ ما فمّا أشياء تنجّم تنافق فيها و"تجيبها الواد الواد" مع الدّين على أساس تأويلات فقهيّة "وطنيّة" كيما مسائل منع الحجاب أو منع تعدّد الزوجات، على قدّ ما توحل في مسائل كيما الشراب والزنا والقمار إلّي الدين الإسلامي واضح فيها وضوح الشمس في غرغور القايلة. يتبيّن إذن أنّو منهج النفاق الديني للدولة محدود وما عندو وين يوصّلها إلاّ للصّدام مع التيارات الدينيّة الراديكاليّة إلّي باش تتّهمها بالكفر والنفاق و"دايور" باش تلقى مصداقيّة أكثر بما أنّ المصداقيّة الدينيّة من الجهة الأخرى تاعبة شويّة.
وخلاصة القول على هذا المستوى هي أنّك كدولة، إذا كان تقرّ بطابع ديني للحكم متاعك فإنّك داخل في حيط بقديرة المولى، على خاطر تفقد السيادة حتّى على قراراتك بما أنّك مجبور باش تشطح على حبلين: حبل الدين وحبل الحكم الدنيوي إلّي ليه، هو الآخر، ضوابط تحكم فيه، وإن طال الدهر أو قصر فإنّك باش تلقى روحك تبجّل في واحد من الإثنين على الآخر، وفي الحالتين الحيط يستنّى في هاك الخليقة متاعك باش تلبسو.
عاد يقول العاقل لواش هالنفاق الزايد؟ ياخويا ماهو نجيبوها برجلة ونعملوا لرواحنا شخصيّة ونقولوها على الملأ، يا سيدي نحنا ماناش دولة دينيّة ولا دولة متديّنة، صحيح الإسلام هو دين الأغلبيّة متاع مواطنينا وواحد من مكوّنات هويّة المجتمع متاعنا، ولكن راهو بالنسبة للدولة ومؤسساتها الرسميّة الإسلام يولّي كيفو كيف الصناعات التقليديّة والمزود والكسكسي بالعصبان (ملاحظة بالله للإرهابيين منكم، الرجاء الإنتظار نهاية التدوينة قبل تفجير أنفسكم). بالطبيعة ماهوش أي سياسي ينجّم يكون بالشجاعة هاذي ولا ثابت على كرسيه بالثقة الكافية باش يقول كلام كيما هذا، وهنا تولّي المصداقيّة السياسيّة التاعبة تلوّج على الدين باش يرقّعها في عوض تحاول تفصل نفسها على الدين وتتعامل معاه بكلّ شجاعة وثقة في النفس.
باش نواصل الخرافة هاذي بتوضيح صعوبات عمليّة أخرى تطرحها "الدولة المتديّنة" وخاصّة إذا كان تحدّثنا من منطلق بلادنا تونس العزيزة علينا الكلّ بما فينا من مسلمين ومص اليسار وزنادقة وصعاليك وشعراء، والصعوبات هاذي انشالله باش تتعلّق بالجانب الإقتصادي، يعني آش تعطي "دولة متديّنة" من الناحية الاقتصاديّة في تونس على الأقلّ، ثمّ من منظور الحريّات الفرديّة والعامّة، وباش نقدّم على بركة الله بقيّة تصوّري للعلاقة الممكنة للدين الحنيف بالدولة الله يحييها ويخلّيها لينا وليكم أجمعين. هيّا أنّستو.